روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

256

عرائس البيان في حقائق القرآن

اشتغل بها عن الحق ، وفرح بما وجد منه ، واحتجب عن مشاهدته ، وإذا لم ينل مأموله من الكرامات وجزاء الطاعات فيدعو ويتضرع ، ويسأل مأموله على الرغبة في جميع الأنفاس ، وإشارة الحقيقة في الآية إذا ألبس الحق أنائيته العارف ويكون مستقلا بقدرته ، متصفا بصفاته ، ينظر من القدم إلى ما بدا من القدم ، فيسكر ، ويخرج بدعوى الأنائية ، وذلك حين ينسى القدم في نفسه بما غلب من القدم عليه ، وإذا زاد الحق عرفانه بإفراد قدمه عن الحدوث وبمعرفة فنائه في بقائه وما ترى فهو هو تعالى لا غير يرجع إلى معادن العبودية ، ويكون متضرعا عاجزا فانيا في سبحات جلاله ، يكدي على باب الربوبية بنعت الفقر والافتقار إلى ذرة من معرفته . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 53 إلى 54 ] سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ( 54 ) قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ : أظهر الآيات ، وجعلها مرآة لصفاته وذاته سبحانه ، ويتجلى منها أنوار الذات والصفات للشاهدين مشاهدة القدم ، سرّ يسرّ في حقائق التوحيد ، وظاهرا يرونه من الآيات في زمان العشق في لباس الفعل ؛ استقامة للمحبة ؛ والتباسا لأمر الحقيقة ، ولو ظهر بنعت الألوهية ظاهرا وباطنا لتعطلت الأشباح ، ولفنيت الأرواح ، واضمحلت النفوس والعقول ؛ لأن بروز سطوات الأحدية لا تحتمله الآيات ولا الأشباح ولا الأبصار ولا الأفكار ، ذكر في الأول آيات ومقصوده صفاته التي تشرق أنوارها في آفاق الأسرار ، والآيات العالم الفعلي ، والمقصود من الصفات ظهور الذات لنظار حقيقة الحقيقة ، وإلا فأين الآيات في ظهور الصفات ، والذات الآيات للعيون ، والصفات للقلوب ، والذات للأرواح ، وسرّ القدم للأسرار ، لا ينكشف السر ، والعارف الصادق إذا كان في عين الجمع لا يرى شيئا إلا ويرى الحق بعينه ؛ لأنه في حقيقة الحقيقة ، ما بدا منه هو فعله ، وفعله غرق في صفاته ، وصفاته قائمة بذاته ، فإذا شاهده في نفسه كما شاهده في آياته يختلط الأمر ، ويغيب الحدث في القدم ، ويحلّ عليه سكر الأنائية ، فيدّعي الربوبية ؛ لأن مشاهدة الآيات تقتضي العشق والمحبة ، ومشاهدة الحق في مرآة النفس تقتضي الاتحاد من تأثير مباشرة سر التجلي ، وهذا حال الحلاج - قدس اللّه روحه - حيث قال : أنا الحق . وحال الأول حال الواسطي ؛ حيث قال : ضحكت الأشياء للعارفين بأفواه القدرة بل بأفواه الرب . لو ترى يا شاهد مشاهدة الحق في الآيات ترى أنوار العظمة والكبرياء من عيون الآساد وأنياب الثعابين ، وترى أنوار جماله من أوراق الورد والنرجس والياسمين ووجوه الحسان ، وتسمع أصوات الوصلة من ألحان الطيور والبلابل والعنادل ، وأصوات الرياح والسحاب والإنسان